لماذا أصبحنا متعبين نفسيًا رغم أن حياتنا تبدو كاملة؟
د. عزيزة حوا
هناك سؤال مخيف يتكرر اليوم داخل كثيرين:لماذا أشعر أنني منهك رغم أن حياتي تبدو “كما ينبغي”؟
لدينا عمل، بيت، مسؤوليات، وربما نجاحات واضحة.
لكن الداخل ليس بخير.كأن الروح تُستنزف ببطء، دون حادثة كبيرة، ودون سبب يمكن شرحه بسهولة.
هذا هو التعب النفسي الحديث:
ألم لا يصرخ… بل يتسرّب.نحن لا نتعب فقط لأن الحياة صعبة،
بل لأننا نعيش تحت ضغطٍ مستمر كي نبدو بخير دائما.. لقد تحوّل “الظهور” إلى وظيفة. وصارت السعادة واجبًا اجتماعيًا. وأصبح الاعتراف بالتعب نوعًا من الفشل في نظر الناس.
وسائل التواصل لم تجعلنا أكثر قربًا… بل أكثر مقارنة.نقارن أيامنا الثقيلة بلحظات الآخرين المصقولة،
ونقارن داخلنا المتعب بصورهم اللامعة.
والاكتئاب لا يأتي دائمًا كبكاء.
أحيانًا يأتي كفراغ بارد. كأن الحياة فقدت طعمها تدريجيًا.
والقلق ليس توترًا بسيطًا،بل عقل يعيش في حالة طوارئ دائمة،
يفكر حتى وهو مستقر، ويخاف حتى وهو آمن.
لكن الأخطر من الاكتئاب والقلق… هو إنكارنا لهما.
والمشكلة انه ما زال التعب النفسي يُقابل بجمل قاتلة:من مثل
“شدّ حيلك”
“غيرك أسوأ”
“الإيمان وحده يكفي”
مع أن الإيمان قوة عظيمة، لكنه لا يلغي الحاجة للعلاج، كما لا نطلب من مريض القلب أن يشفى بالصمت وحده.
خصوصًا النساء والأمهات…
يُطلب منهن أن يكنّ قويات دائمًا، معطيات دائمًا، متماسكـات دائمًا،
حتى وهنّ في الداخل يحتجن فقط من يسأل: هل أنتِ بخير؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا تجميل أن الاكتئاب والقلق ليسا ضعفًا.إنهما اضطرابات حقيقية… ورسالة بأن النفس وصلت إلى حدودها.
والعلاج النفسي، خصوصًا العلاج المعرفي السلوكي، ليس رفاهية،
بل أحد أشكال النجاة الحديثة.
ربما الشجاعة الأولى… ليست أن نبدو أقوياء، بل أن نعترف أننا متعبون. لأن خلف كثير من “الحياة الكاملة”… توجد أرواح تختنق
بصمت.
د. عزيزة حوا
مختصة في علم النفس والعلاج المعرفي السلوكي