almanbar.cv

منصة ثقافية عربية دولية خاصة

الصحة النفسية بين الرفاهية والكبت

الأخصائية النفسية منال ميخائيل عقراوي

عندما ندفع ثمن تجاهلها في بيوتنا ومدارسنا

في مجتمعاتنا، اعتدنا أن ننظر إلى الإنسان من الخارج أكثر مما ننصت إلى ما يحدث في داخله. نقيس النجاح بالإنجاز، ونربط القوة بالصبر، ونُفسّر الصمت على أنه تماسك. بهذه المفاهيم، أصبحت المشاعر عبئًا يجب كتمه، وأصبحت الصحة النفسية ملفًا مؤجَّلًا لا يُفتح إلا عند الانهيار.
في البيوت والمدارس، تُمارَس ضغوط يومية تُسمّى تربية، حرصًا، أو إعدادًا للحياة، لكنها في حقيقتها تُراكم توترًا داخليًا لا يجد مساحة آمنة للتعبير. ومع الوقت، لا يختفي هذا التوتر، بل يتحوّل إلى اضطرابات نفسية صامتة، تؤثر على التفكير، السلوك، والعلاقات. من هنا، لا يعود تجاهل الصحة النفسية شأنًا فرديًا، بل قضية مجتمعية ندفع ثمنها جميعًا.
القلق شعور إنساني طبيعي، لكنه يتحوّل إلى مشكلة حين يصبح دائمًا، غير متناسب مع الواقع، ومسيطرًا على حياة الفرد. القلق النفسي المزمن يُعد من أكثر الحالات انتشارًا في البيئات التي تفتقر للاحتواء النفسي، خاصة داخل الأسرة والمدرسة .
كثير من الأطفال والمراهقين لا يملكون لغة للتعبير عن قلقهم، فيظهرهذا التعبير في صورة سلوكيات أو أعراض جسدية، ويستمر معهم إلى مراحل لاحقة من حياتهم إن لم يُفهم ويُعالَج مبكرًا.
هناك عدة أسباب تكون القلق النفسي داخلية وخارجية منها
ضعف الشعور بالأمان النفسي
أفكار سلبية متكررة حول الذات والمستقبل
خوف دائم من الخطأ أو الفشل
كبت المشاعر وعدم التعبير عنها
أسلوب تربية قائم على النقد، المقارنة، أو التهديد
ضغط دراسي دون دعم نفسي
غياب الحوار والاحتواء داخل الأسرة
التنمر أو التهميش في المدرسة
توقعات مجتمعية تفوق قدرة الفرد
هذه العوامل، حين تجتمع، تُنتج حالة قلق مستمرة تُرهق الجهاز النفسي والعصبي , وقد تتبعها اعراض نفسية مثل
توتر دائم وصعوبة في الاسترخاء
اضطرابات النوم
ضعف التركيز وتشتت الانتباه
قلق مفرط تجاه المستقبل
أعراض جسدية متكررة (صداع، آلام معدة، خفقان)
شعور دائم بالإرهاق النفسي
هذه الأعراض ليست دلالًا ولا ضعفًا في الشخصية، بل إشارات إنذار نفسية تحتاج إلى فهم وتعامل مهني.
هنا يأتي دور الأخصائي النفسي في تقييم نفسي شامل ودقيق عن طريق العلاج المعرفي السلوكي لخلق التوازن وتعديل الأفكار القلقة ومايتبعها من سلسلة الجلسات التي تعمل على ترويض الفرد على مهارات تنظيم المشاعر وترسيخ الشعور بالأمان وتعزيز الثقة بالنفس والعمل بروح الاسرة أو المدرسة ان تطلب ذلك.
عدم الاستجابة للعلاج النفسي واستمرار الاعرض لفترة طويلة يصحبها وهن عميق الأثر ينعكس سلبا على الدراسة والعمل والعلاقات إضافة الى الاكتئاب الحاد ونوبات الهلع تجعلنا أحيانا ان نطرق باب الطبيب النفسي
فالعلاج الدوائي أحيانا يكون داعما للعلاج النفسي وليس بديلا.
خطوات العلاج الصحيح تتمثل في الاعتراف بالمشكلة بكل شجاعة دون الانكار أو الخجل فطلب المساعدة وعي ومسؤولية وليس ضعفا
تذكر ان الروح المبتهجة دواء ممتاز أما الروح المحطمة فهي تجفف ماء القلب , كل ماتمر به مفهوم وانك لست وحدك , الصحة النفسية ليست رفاهية نؤجلها، بل حاجة أساسية لحياة متوازنة, حين نختار أن نفهم أنفسنا وأبنائنا نفسيًا، لا نُصلح حاضرنا فقط، بل نُعيد بناء مجتمع أكثر وعيًا ورحمة , الاهتمام بالصحة النفسية هو استثمار في الإنسان، والإنسان هو أساس كل تغيير حقيقي
تعلم أن تحول ألمك الى حكمة , لاتستسلم فهناك أيام بطعم البدايات , كن لطيفًا مع نفسك
فالشفاء يبدأ بالوعي، ويكتمل بالدعم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *