almanbar.cv

منصة ثقافية عربية دولية خاصة

التدريب العربي: منظومة تطوير أم سوق بلا ضوابط؟

قراءة نقدية في غياب المعايير والمساءلة

بقلم
الدكتور فراس الرجوب / سوريا
مدرب دولي ومستشار إدارة الموارد البشرية

مقدمة

شهد التدريب في العالم العربي خلال العقود الأخيرة توسعًا لافتًا، سواء من حيث عدد الجهات التدريبية، أو تنوّع البرامج، أو انتشار المنصات الرقمية. هذا التوسع، في ظاهره، يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية التعلم المستمر وبناء الكفاءات، إلا أن التمحيص العميق يكشف مفارقة جوهرية: نمو كمي سريع لم يواكبه نضج نوعي أو إطار حوكمة واضح.

لقد انتقل التدريب من كونه أداة تطوير مؤسسي مرتبطة بالاحتياج الوظيفي ورفع الأداء، إلى نشاط سوقي مفتوح تحكمه آليات العرض والطلب أكثر مما تحكمه المعايير المهنية. ومع غياب مرجعيات واضحة تضبط من يحق له التدريب، وما الذي يُعد تدريبًا ذا قيمة، وكيف يُقاس الأثر الحقيقي للتعلم، بات السؤال ملحًا:
هل نحن أمام منظومة تطوير حقيقية تسهم في بناء الإنسان العربي، أم أمام سوق تدريبية تكافئ الشهرة لا الجودة، والحضور لا الأثر؟

هذا المقال لا ينطلق من موقف عدائي تجاه التدريب، بل من قراءة نقدية مسؤولة، تحاول تفكيك الواقع كما هو، وتسليط الضوء على الاختلالات البنيوية، مع تقديم تصور عملي لإعادة الضبط والانتقال من منطق السوق إلى منطق المنظومة.


أولًا: كيف تشكّلت منظومة التدريب العربي؟

تاريخيًا، نشأ التدريب في العالم العربي داخل المؤسسات الكبرى، لا سيما الحكومية والصناعية والمصرفية. كان التدريب آنذاك وظيفة مساندة للتشغيل، مرتبطًا بخطط تطوير وظيفي واضحة، ويُقاس أثره بتحسن الأداء أو رفع الكفاءة الإنتاجية.

غير أن التحولات الاقتصادية، وتراجع الدور المركزي للدولة، وصعود ريادة الأعمال، ثم الثورة الرقمية، أدّت إلى انتقال التدريب من كونه نشاطًا مؤسسيًا منظمًا إلى سوق مفتوح. هذا التحول في حد ذاته ليس سلبيًا، بل قد يكون فرصة، لكنه حدث دون إطار حوكمة أو فلسفة واضحة.

في عدد من الدول العربية، تضاعف عدد الجهات التدريبية خلال سنوات قليلة، بينما بقيت مؤشرات الأداء والإنتاجية في القطاعات نفسها شبه ثابتة. هذا التناقض يكشف أن التوسع لم يكن نتيجة رؤية تطويرية، بل استجابة لفرصة سوقية غير منظمة، فنتج تدريب يلبّي الطلب الظاهر لا الحاجة الحقيقية، ويقيس النجاح بعدد الدورات لا بجودة الأثر.


ثانيًا: أزمة المعايير والمرجعيات

من أخطر اختلالات التدريب العربي غياب مرجعية معيارية واضحة. في الممارسة اليومية، يحدث خلط واسع بين مفاهيم مختلفة، مثل الترخيص الإداري، والاعتماد المهني، والشهادة التدريبية، والتزكية التسويقية.

كثير من الجهات تحصل على ترخيص قانوني، ثم تُقدَّم للجمهور بوصفها “جهة معتمدة”، رغم أن هذا الترخيص لا يعني بالضرورة جودة المحتوى أو كفاءة المدربين. وتنتشر شهادات تُسوَّق على أنها “دولية” دون أن تكون معترفًا بها أكاديميًا أو مهنيًا.

نتيجة ذلك، يتساوى الجيد والرديء في السوق، وتفقد فكرة الاعتماد معناها، ويتحوّل معيار الاختيار من الجودة إلى الشهرة، ومن القيمة إلى قوة التسويق.


ثالثًا: المدرب بين الحرية المهنية والفوضى السوقية

فتح المجال لممارسة التدريب، من حيث المبدأ، أمر إيجابي، لأنه يتيح تداول الخبرات والمعرفة. لكن غياب شروط الدخول للمهنة حوّل هذه الحرية إلى فوضى مهنية.

اليوم، يستطيع أي شخص حضور دورة قصيرة، والحصول على لقب “مدرب”، ثم تقديم برامج في مجالات حساسة مثل القيادة أو الموارد البشرية أو الإرشاد المهني، دون مسار تأهيلي واضح، أو خبرة تطبيقية، أو مساءلة مهنية.

نجد مدربين يقدّمون برامج في إدارة الموارد البشرية دون أن يعملوا يومًا واحدًا في هذا المجال، أو يدرّسون القيادة دون تجربة قيادية حقيقية. النتيجة ليست فقط تضخم الألقاب، بل تآكل المصداقية، وإضعاف ثقة السوق في التدريب ككل.


رابعًا: المنصات التدريبية ودورها غير المُساءل

أصبحت المنصات التدريبية الرقمية لاعبًا رئيسيًا في المشهد، لكنها تعمل في الغالب بمنطق المنصة التجارية لا المؤسسة التعليمية. التركيز يكون على عدد الدورات والمشتركين وسرعة الإنتاج، أكثر من التركيز على جودة التصميم التعليمي أو قياس الأثر أو ملاءمة المحتوى للسياق العربي.

كثير من المنصات تكرّر المحتوى نفسه بصيغ مختلفة، وتستبدل التقييم العلمي بتقييمات انطباعية من المتدربين (نجوم وتعليقات)، وهي مؤشرات لا تعكس بالضرورة تعلّمًا حقيقيًا أو تغييرًا في الأداء. المفارقة أن المنصة تحقق أرباحها حتى لو لم يحدث أي أثر مهني فعلي لدى المتدرب.


خامسًا: المتدرب… بين المسؤولية والضعف

لا يمكن إعفاء المتدرب من المسؤولية، لكنه في كثير من الحالات الطرف الأضعف في هذه المنظومة. المتدرب العربي غالبًا يبحث عن شهادة تعزز فرصه الوظيفية، ويتعرض لضغط سوق العمل، ويفتقر إلى أدوات تقييم جودة التدريب.

نرى متدربين يجمعون عشرات الشهادات دون أن ينعكس ذلك على أدائهم أو مسارهم المهني، ثم يُفاجأون بأن سوق العمل لا يعترف بما حصلوا عليه. النتيجة إحباط مهني، وهدر للوقت والمال، وتضليل غير مقصود للمسار الوظيفي.


سادسًا: من السوق إلى المنظومة – كيف نعيد الضبط؟

إصلاح التدريب العربي لا يعني تقييده أو خنقه بالبيروقراطية، بل تقنينه بذكاء. الحلول الواقعية تبدأ ببناء أطر كفاءات وطنية وقطاعية، وربط التدريب بقياس الأثر لا بالحضور، وإشراك الجامعات والهيئات المهنية في الحوكمة، ومساءلة المدرب والمنصة على النتائج لا على العناوين.

تجارب مؤسسية عديدة أظهرت أن ربط التدريب بمؤشرات أداء واضحة يؤدي إلى إلغاء برامج غير فعالة، ورفع أثر التدريب بشكل ملموس خلال فترة زمنية قصيرة. فالتدريب الحقيقي لا يُقاس بعدد الدورات، بل بقدرته على تغيير السلوك وتحسين الأداء.


خاتمة

الخلل ليس في التدريب ذاته، بل في الطريقة التي أُدير بها، وفي الفراغ الذي نشأ حين غابت المعايير وحضرت السوق وحدها. التدريب، في جوهره، فعل أخلاقي قبل أن يكون نشاطًا مهنيًا، لأنه يتعامل مع طموحات الناس ومساراتهم ومستقبلهم الوظيفي.

إن استمرار واقع التدريب بلا مساءلة يعني مزيدًا من الإحباط للمتدربين، وتآكلًا في ثقة السوق، وهدرًا في الوقت والمال والمعرفة. أما إعادة ضبط المنظومة، فهي مسؤولية جماعية:
مدرب يلتزم بالكفاءة لا باللقب،
ومنصة تقدّم القيمة لا الوهم،
ومتدرب واعٍ لا مستهلكًا سلبيًا،
ومؤسسات تتحمل دورها في الحوكمة والتقنين.

يبقى السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح دائمًا:
لسنا بحاجة إلى مزيد من الدورات… بل إلى أثر يستحق أن يُسمّى تدريبًا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *